عمر السهروردي

35

عوارف المعارف

حيث أسمعه اللّه منها خطابه إياه بأنى أنا اللّه . فإذا كان سماعه من اللّه تعالى واستماعه إلى اللّه ، صار سمعه بصره ، وبصره سمعه ، وعلمه عمله ، وعمله علمه ، وعاد آخره أوله ، وأوله آخره . ومعنى ذلك أن اللّه تعالى خاطب الذر بقوله . ويحتاج المطالع للعلوم والأخبار وسير أهل الصلاح وحكاياتهم وأنواع الحكم والأمثال التي فيها نجاة من عذاب الآخرة أن يكون في ذلك كله متأدبا بآداب حسن الاستماع ، لأنه نوع من ذلك . وكما أن القلب استعد بحسن الاستماع بالزهادة والتقوى حتى أخذ من كل ما سمعه أحسنه فيكون آخذا بالمطالعة من كل شيء أحسنه . ومن الأدب في المطالعة أن العبد إذا أراد أن يطالع شيئا من الحديث والعلم يعلم أنه قد تكون مطالعة ذلك بداعية النفس وقلة صبرها على الذكر والتلاوة والعمل فتستروح بالمطالعة كما تتراوح بمجالسة الناس ومكالمتهم . فليتفقد المتفطن نفسه في ذلك ، ولا يستحلى مطالعة الكتب إلى حد يأخذ ذلك من وقته ، ويراعي الإفراط فيه ، فإذا أراد مطالعة كتاب أو شيء من العلم لا يبادر عليه إلا بعد التثبت والإنابة والرجوع إلى اللّه تعالى ، وطلب التأييد من رحمة اللّه تعالى فيه ، فإنه قد يرزق بالمطالعة ما يكون من مزيد حاله ، ولو قدم الاستخارة لذلك كان حسنا ، فإن اللّه تعالى يفتح عليه باب الفهم والتفهيم موهبة من اللّه ، زيادة على ما يتبين من صورة العلم ، فللعلم صورة ظاهرة وسر باطن وهو الفهم . واللّه تعالى نبه على شرف الفهم بقوله : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً . . . « 1 » أشار إلى الفهم بمزيد اختصاص وتمييز عن الحكم والعلم . قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 79 . ( 2 ) سورة فاطر : الآية 22 .